ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

محمد الضيف: الشخصية/ الثورة

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
موسى السادة
موسى السادة
الخميس 6 شباط 2025
(مرام علي)
(مرام علي)
الخط


في الحديث عن البطولة والأمجاد، نواجه معضلة. هي سلاح ذو حدّين: من ناحية، قد تؤدّي بنا إلى الأسطرة والقعود، أن نضع مسافة معنوية عن الفعل والعمل عبر التغنّي بأنّا عشنا زمان فلان. أن نحوّل الشخصية العظيمة إلى موروث، الموروث المتخيّل الجميل ذاته ما نحصّن به أنفسنا عن مواجهة الواقع الصعب والقيام بواجب تغييره. أن نقع في فخ الكتابة الملحمية مستسلمين للجماليات التي تمكنّنا بها لغتنا العربية... إلا أن هذه المعضلة، في الآخر، لا تعفي من واجب الحديث عن البطولة والمجد ما إن حضرا، وتحديداً في لحظتنا هذه، ونحن في أشدّ حاجة إلى التسلّح برمزية القائد والشهيد وأمانة حفظ ما فعل لنواجه ما يراد للوطن العربي ولفلسطين في السنين المقبلة.

اليوم، ولأننا في حضرة ملحمة تاريخية، فإنّ ما نشهده هو فائض في البطولة؛ كم من بطل ومجد سجّل خلال «طوفان الأقصى»؟ من شبه المستحيل إحصاء ذلك. إلا أن الحديث عن أبي خالد ممكن. ولأنه شخصية تاريخية، فالحديث عنه هو حديث عن كل البطولات، ما علمنا بها وما لم نعلم. فكما تخبرنا فلسفة التاريخ؛ إنّ أمثاله هم تجسيدٌ لكل المبادئ والأفكار في مرحلتهم التاريخية. هم «روح التاريخ». هم الكل الجماعي متمثّلاً في شخص. ولذا، هم، لا سواهم، يمثّلون إرادة وأداة تغيير التاريخ وتقدّمه.

وشاهِدنا الأبرز هنا كلام القائد الضيف نفسه، إذ كان واعياً لهذا الدور، وكان يعلم أنه، هو ذاته، أداته، حينما قال:
«أن نتقدّم ويكون نوع من المبادرة بحيث نستطيع أن نغيّر في مجرى التاريخ كلّه، ليكون لنا السبق في هذه الفترة الزمنيّة ونحقّق يوماً من أيّام الله».

تكملُ فلسفةُ التاريخ بناءها المنطقي؛ فإن سلّمنا أن الضيف أداة لتقدّم تاريخنا، فإن التضحية بالذات - الشهادة - نتيجةٌ ضرورية، حيث يجب أن يكون هناك ثمنٌ شخصي في أن تكون أداةً لتغيير التاريخ. يجب أن يكون هناك عطاء مقابل، كما خطّ وردّد أبو خالد من أبيات رفيقه الشهيد نزار ريان: «ومثلها عطاؤنا يواصل الطريق لا يوقف المسير».
بعد فشل اغتياله إبّان معركة «العصف المأكول» (2014،) قال أبو عبيدة: «إنّ كتائب القسام تعدكم أن محمد الضيف سيكون بإذن الله تعالى القائد العام للجيش الذي سيدخل باحات المسجد الأقصى». مَن منّا لم يرسم صورة في مخيّلته لهذا المشهد ـــــ كانت الصورة في مخيّلتي، مع توارد شائعات إصابته، أنه سيدخله على كرسيٍّ متحرّك أشبه بالشيخ أحمد ياسين. كان ذلك تصوّراً متخيّلاً بثّه أبو عبيدة وهو في أقصى بُعد عن المنال.

إلا أن هذه المقدرة على الخيال هي ما يجعل المقاومة الفلسطينية، وكتائب القسام بقيادة القائد الضيف، أحد ألمع نماذج الثوار في التاريخ. إذ تبدأ الثورة من القدرة على التخيّل. لم تنطلق أي ثورة سوى بحلم رومانسي كبير غير واقعي. ولم يتحرّر أيّ عبد إلا عندما أنهى سطوة سيّده على خياله، أنه يستطيع تخيّل نفسه حرّاً... أننا نستطيع تخيّل دخول باحات الأقصى. عندما بدأ الجزائريون ثورتهم مجرّدة سوى من عشرات البنادق، وفي بيان الأوّل من نوفمبر، والمستوطنون الفرنسيون في أوج قوتهم، نص البيان على أن على المستوطنين التخلّي عن جنسيتهم الأصلية أو الرحيل. كان مجرّد خيال. وعليه، ما إن تتخلّى أي حركة ثورية عن الخيال، وتستسلم للواقعية وموازينها، فهي ستندثر.

المسألة أن الخيال مع أبي خالد متناقض؛ كيف لنا الجمع بين صورته كمحرّر للأقصى، ودوره التاريخي، كثوري، كأداة تغيير التاريخ. إنّ تاريخيّة شخصيته تفرض عليه أن يكون شهيداً؛ فتخيّله فاتحاً وشهيداً في آن كتخيّل الشكل الهندسي للمثلث مربعاً وهو أمر مستحيل. فهل أحدنا قادر على تخيّل خبر نهاية عمره بميتة «طبيعية»؟ أن نقرأ، وإن بعد التحرير، في شريط الأخبار، نبأ وفاته طبيعياً... فلا يكون هنا الضيف ضيفاً. وهو بذاته كان يقول «الناس يموتون طبيعياً والمرابطون في أرض فلسطين يلقون ربهم شهداء».

إنّ استحالة التخيّل هذه هي ذاتها ما أعاد أبو عبيدة تأكيده في نعي أبي خالد: «كيف بربّكم لمحمد الضيف أن يذكر في التاريخ من دون لقب الشهيد ووسام الشهادة في سبيل الله».
تذكّرنا مسألة الخيال هذه بمحاولة الفارابي إسباغ بنية فلسفية على مفهوم النبوة وتفسيرها عقلانياً كظاهرة طبيعية لا خارقة فوضع لها خصالاً عدّة؛ بجانب القدرات العقلية الاستثنائية التي تمكّن النبيّ من الاتصال بما سمّاه «العقل الفعّال»، ثمة القدرة التخيّلية العالية. بهذا التفسير الفلسفي، يكون للشخصيات الثورية عبقٌ من مفهوم النبوّة، جزءٌ من الاقتداء بها، ولعل واحداً من أبرز ما ألهمنا إياه الضيف هو هذه القدرة الكبيرة على الخيال.

يعيب مثقّفو الهزيمة العرب - ولعلّ مثقفي ليبرالية «الربيع العربي» أكثر شواهد التاريخ على اللاثورية كمفهوم تاريخي علمي لا كمناكفة - على أبي خالد خطابه بمداه الأرحب من تحرير فلسطين والثورة الكبرى إلى وحدة الأمّة وإنهاء تقسيمها. لا داعي لتكرار أن هذا الخيال أصلٌ ثوري ضمن مقولة ما لا تستطيع تخيّله لا تستطيع تحقيقه، بل الفكرة أنه وبلا هذا الخيال عن تحرير فلسطين، من وصية الشهيد عدي التميمي إلى السابع من أكتوبر، تكون المقاومة عملاً عدمياً لاثورياً.

الأمر الآخر، أن مضمون هذا الخيال السياسي هو ما يجعل محمد دياب إبراهيم المصري، مواليد خان يونس - غزة، في بلاد الشام، شخصيتنا الثورية والتاريخية الكبرى، شخصيةً هي، بحدّ ذاتها، الثورة. فهو، وفي أكثر مراحل التاريخ العربي تدهوراً، من أوج الوطنيات الانعزالية ومشاريع التصفية والتطبيع وثورة ترف الملوك والأمراء، نادى دون غيره بجوهر المبادئ الفكرية الثورية العربية: «وآن الأوان أن تتّحد كل القوى العربية والإسلامية لكنس هذا الاحتلال عن مقدساتنا وأرضنا». ما قام به الضيف هنا أنه منحنا أقصى خيال وحلم عربي في أسوأ مراحل التاريخ وأردى وضع عربي.

بناءً على هذه القدرة القصوى من الخيال والإلهام بالوعي، كان محمد الضيف استثنائياً حتى بدراسة مقارنة مع غيره من الشخصيات التاريخية. لأنه حفّز الكل الثوري العربي بأقصى الخيال حجماً ونوعاً؛ تغيير تركيبة مئة عام للمنطقة العربية ــــ أي إنهاء «سايكس - بيكو» و«بلفور» معاً. وأيضاً ــــ وإن كان لكل شخصية تاريخية معجزتها وآيتها وشاهدها للناس أن التغيير ممكن، وذلك عبر صناعة حدث تاريخي، بأدبياتنا الحضارية العربية «يوم من أيام الله» ــــ بناءً على هذا المعيار، فلا شاهد في هذا العالم كشاهد يوم السابع من أكتوبر المجيد، لا حجماً ولا أثراً، وبنطاق كوني.

إنّ هذا العطاء الكبير لا يجازيه إلا مثله. ولعل إحدى المعضلات الفلسفية لمفهوم الشهادة أنها أقصى العطاء، إيثار بكامل الوجود، فهي العطاء الذي لا معادلة مادّية له، سوى جنسها وهو الشهادة. لا يمكن منطقياً القيام بفعل ضمن معايير الحياة تساوي كفّتها. فما بالنا بشخصية كالضيف؟ من هنا، تمسي الكتابة الملحمية والتمجيدية بالأمر الهيّن والسهل، بينما تكمن الصعوبة في ثقل حزننا عليه، والأصعب، حتماً الأصعب، أنه كلما عظمت الشخصية التاريخية عظم ثقل المسؤولية والأمانة من بعدها، وأيّ أمانة وهي فلسطين. فالقلب اليوم مثقل بثقلين، ثقل الحزن وعلاجه الصبر، وثقل المسؤولية والواجب من بعدك يا حبيبنا ومعلّمنا، وأمّا هذا فعلاجه العمل، ولسان حالنا:

لا تغمد السيف يصدأ سنّه أبداً
فالضيف سيفٌ ليس ينغمدُ
إن تهجر الشعلة الخضراء تربتنا
فـ«قسام» ومضٌ أينما وجدوا

كاتب عربي*

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك